Tags

Related Posts

Share This

ديمقراطية الخناجر

 برسيبوليس فيلم رسوم متحركة يحكي قصة فتاة إيرانية من عائلة متحررة وتقدمية، ساندت الثورة ضد الشاه، لتفاجأ بحكم أكثر طغيانا وجورا هو حكم آيات الله، قضى أول ما قضى على حلفائه القدامى، الشيوعيين. فيلم ممتع وبسيط، لا يشعرك بالملل حين مشاهدته. لماذا إذن قامت الدنيا ولم تقعد (ولا أظنها ستقعد قريبا)، حين قامت قناة نسمة بدبلجته إلى اللهجة التونسية وعرضه ؟

المحتجون الهائجون (كالثيران) الغاضبون الراغون المزبدون، أغلبهم لم يشاهد الفيلم، وإن كنت لا أرى فارقا بين مشاهدتهم له وعدمها. هؤلاء الناقمون على القناة المستعدون لتهشيمها فوق رؤوس أصحابها وموظفيها ثاروا وغاروا لأن الفيلم تجرأ على تجسيد الذات الإلهية (في مشهدين لا يتجاوزان 3 دقائق) من 95 دقيقة هي مدة الفيلم… 1

حين شاهدت الاحتجاجات والصراخ والعويل أمام مقر قناة نسمة، تساءلت: لماذا هم غاضبون؟ وما الذي أزعجهم إلى هذه الدرجة؟ وبعد تفكير لم يأخذ مني وقتا طويلا، وجدت أن هناك جوابين لا ثالث لهما. الأول هو أنهم فعلا ناقمون لأن امرأة (مخرجة الفيلم) جعلتهم يشاهدون وجه الله، وهذا من وجهة نظري هو ما يحرك العامة التي يكون رد فعلها عنيفا كلما تعرض أحد مقدساتها للنقد.1

الجواب الثاني هو أن وراء هذه الجموع الثائرة فئة أكثر ذكاءا وأثقب فكرا، تستغل انسياق العوام وراء عاطفتهم لتسويق خطاب ظاهره حق وباطنه مغلوط. هاته الفئة لم يزعجها وجه الله المرسوم في الفيلم، بقدر ما أزعتجها الصفعات التي وجهها الفيلم للنظام الإيراني المتأسلم، والذي يمثل النموذج الذي تسعى هاته الفئة إلى تطبيقه في دولة كانت إلى عهد جد قريب، علمانية. لم يزعجها صوت الله، بقدر ما أزعجها صوت بطلة الفيلم الثائر على الظلم الذي تعرضت له بعد ثورة قيل لها إنها ستضع حدا للظلم. هذه الفئة لم تزعجها اللحية التي صور بها الله بقدر ما أزعجهم الخمار الذي ألقت به البطلة وراء ظهرها بعد أن نفاها والداها خارج وطنها خوفا عليها.1

كانت تونس تعتبر نموذجا للدولة المدنية التي استطاعت أن تضمن ولو جزئيا بعض الحقوق الفردية، وتمنح المرأة وضعا اعتباريا متقدما مقارنة بقريناتها في الدول المسلمة الأخرى.1

تونس بلد مسلم. قبل بورقيبة وقبل بنعلي وقبل راشد الغنوشي. بلد مسلم بإيمان أفراده وقناعاتهم الشخصية. بعاداتهم وتقاليدهم وممارستهم لفرائضهم. التونسيون لم يكونوا يوما في حاجة إلى لحى كثة وأردية طويلة وقبضات خناجر ليتذكروا أنهم مسلمون.1

حين قامت الثورة في تونس، لم يكن الهدف أبدا من ورائها إقامة دولة منسوخة عن النموذج الإيراني أو الوهابي، بل كانت ثورة على القهر والطغيان والديكتاتورية، كانت ثورة تنشد العدل والكرامة والمساواة والحرية والديمقراطية. الديمقراطية التي يستغلها المتأسلمون في انتخابات عرجاء يكتسحونها بشعارات تدغدغ مشاعر المطحونين، ليهاجموها في التو واللحظة بحجة أن الديمقراطية مفهوم جاء به الغرب الكافر. أليس هذا منطق « الغاية تبرر الوسيلة »، ألم يسمع هؤلاء بأن ما بني على باطل فهو باطل كيف إذن يرضون بناء حكمهم على أساس انتخابات هي الابنة غير الشرعية للديمقراطية الكافرة ؟

الذين هاجموا الفيلم كانوا في الحقيقة يهاجمون الفكر الحر والفن الحر والتعبير الحر. كانوا يهاجمون الغول الذي يعشش في عقولهم والذي يرونه في كل امرأة تسعى إلى تحقيق ذاتها بعيدا عن السلطة العمياء للمذكر والثقافة الأبيسية المترسخة في المجتمع العربي. هؤلاء الغاضبون كانوا يهاجمون الدولة المدنية التي تضمن لجميع الفئات بما فيها الأقلية حقوقها الكاملة.1

مؤخرا هاجم ملتحون بالعصي والخناجر إدارة جامعة تونسية رفضت تسجيل طالبة منقبة، علما أن القانون يفرض على جميع المسجلين إبراز هويتهم للتأكد. لنفرض أن الجامعة أخطأت، هل أصبحت المطالبة بالحقوق تتم عبر التهديد بالسيوف والعصي؟ هل الثورة جاءت لتحقيق العدالة أم لفرض قانون الغاب؟ هل سنعيش زمن ديمقراطية الخناجر؟

IMANE NIDAE