Tags

Related Posts

Share This

ياسين عدنان : عن المرأة و السياسة و أشياء أخرى

حوار مع الشاعر و الإعلامي ياسين عدنان 

        لنبدأ بسؤال تقليدي حول بداياتك مع الأدب: كيف اكتشفت موهبتك في الشعر والقصة   ؟ 

بدايتي مع الأدب تعود إلى المرحلة الابتدائية، حيث كانت تقطن بحينا أسرة  نموذجية اتسم أبناؤها بتربية حسنة و بأخلاق حميدة. وحين اختطفت يد المنون معيلها بغثة ذات يوم ليجد أطفالها- وهم في عمر الزهور- أنفسهم أيتاما أحسست لأول مرة بمدى قسوة القدر. أحدث   هذا الحادث في نفسي وروحي جرحا غائرا، وهكذا وجدت نفسي أكتب أول قصة لي، كانت قصة هؤلاء الأطفال وقصة هذا الموت المباغت… وهكذا كانت البداية

.في المرحلة الثانوية دشنت علاقتي مع الشعر، ثم شاركت وأنا في الجامعة في  مسابقة « جائزة مفدي زكرياء »  المغاربية للشعر التي تقام بالجزائر وفزت بها، فكانت الانطلاقة ليأتي اسمي أول مرة إلى المغرب من الشقيقة الجزائر

     قلت في أحد تصريحاتك أن سبب قلة  البرامج الثقافية في المغرب راجع بالأساس إلى أن الثقافة ليست أولوية في بلادنا … الآن ونحن على أبواب تشكيل حكومة جديدة ، ما هي في نظرك أهم التدابير التي يجب أن تتخذ من أجل النهوض بالمجال الثقافي؟ 

أنا دائماً أحمل المسؤولية للسياسيين، يجب أن يفهم ممارسو السياسة ومدبرو الشأن العام  في هذا البلد أن لا أفق لديهم لبناء مجتمع عصري حديث بمعزل عن الثقافة وعن دور المثقف. فإذا ذهبنا بعيدا في التحليل، سنجد أن كل مشاكل اليوم  لها عمق ثقافي يتواطأ المجمتع المغربي لمصادرته، فمثلا عندما طرحت مشكل الرشوة مؤخرا في برنامج مشارف تساءل البعض عن علاقة هذا الموضوع بالثقافة. أنا أعتقد أن عمق الظاهرة ثقافي وحلها ثقافي بالأساس. إذ أن تغلغل ثقافة الفساد في المجتمع المغربي تحتاج إلى أكثر من الإعمال الصارم للقوانين والعقوبات الزجرية حيث يجب بلورة إستراتيجية شاملة بأضلاع تربوية ثقافية تواصلية لمواجهتها. وهنا لا يمكن الاستغناء عن الفاعل الثقافي والتربوي في مثل هذا المعركة

 هذا مثال صغير فقط. لكن العديد من التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي هي في عمقها تحولات قيم. ويجب أن يتصدى لها المثقفون وعلماء النفس والاجتماع، ويجب أن يتواضع السياسي قليلا ويرجع إليهم ليستفيد من أبحاثهم في تدبيره لهذه التحولات وفي معالجته للقضايا المرتبطة بها. لكن التعاطي السياسوي مع قضايا المغاربة ومشاكلهم ظل دائما يلغي النظر المعرفي للفيلسوف والتحليل العلمي للمشتغل بالعلوم الإنسانية والرؤية النقدية للمثقف وحدس الشاعر والأديب. لذلك نلاحظ أن السياسة تمارس في المغرب بدون معرفة وبلا خيال، ومن هنا فهي مصابة بحالة من البؤس المزمن.  أما المثقفون فمغيبون مع سبق إصرار وبشكل مُمنهج من كل المجالات الحيوية وفي كل المحطات في مغرب اليوم مع العلم أن المثقف مؤهل أكثر من غيره لإثراء واقعنا السياسي والاجتماعي بما نحتاجه من مقترحات استشرافية وحلول جدية لمعضلات الواقع .

كنت أتمنى مثلا في الحملة الانتخابية الأخيرة لو رأينا علماء السياسة والبلاغة والسوسيولوجيا والأنتربولوجيا يشرِّحون الخطاب السياسي ويحللون السلوك الانتخابي للمغاربة ويغوصون في نفسية المغربي المؤهلة مع الأسف لولوج سوق البيع والشراء، والمتعايشة مع شراء الذمم، والمستعدة للعزوف والمبرِّرة للسلبية والسريعة الامتصاص مثل اسفنجة لكل الدعوات العدمية السهلة…

يجب أن نسائل هذا الوضع ونحاول فهمه. وأنا لا أعرف لماذا يتصور كل الفاعلين السياسيين والحزبيين في هذه البلاد أن بإمكانهم تدبير شأن المغاربة دون أن يفهموهم؟ والحال أن فهم المغاربة يحتاج إلى معرفة سوسيولوجية وغيرها، معرفة لا غنى للسياسي الذكي الجاد عنها.

المغاربة شعب لا يقرأ- ويفتخر بذلك-.  شعب منسحب ويرى انسحابه علامة صحة وعافية. متوجس من الانخراط في مشاريع جماعية ومجتمعية، والذي يريد تحفيزه على الانخراط والمشاركة يفعل ذلك بلغة بئيسة معرفيا، ضحلة ثقافيا، ساذجة بلاغيا، فقيرة على مستوى التحليل، وملفقة على مستوى الخطاب السياسي.وأنا تابعت هذه الأيام على مختلف الشاشات الوطنية خطابات حزبية تقتل بالضحك من فرط غبائها وخشبيتها. لذا حينما أطالب شخصيا بإعادة الاعتبار للمثقف، فإني أطالب في العمق وباستعجال بإعادة المعنى إلى حياتنا السياسية والدينية والاقتصادية والدينية والاجتماعية.  

في ديوانك  » رصيف القيامة  » لاحظنا حضوراً قوياً لليأس والألم، خاصة في قصيدة » زهرة عباد اليأس « ، كيف تفسر ذلك ؟ 

صحيح أن اليأس طاغ في هذا الديوان وفي تلك القصيدة بالذات ، لكن  يجب علينا ألا نصدق دائما يأس الشعراء. لأن من أدركته حرفة الأدب يكون محظوظاً ، فهو عندما يكتب يمارس نوعاً من العلاج النفسي لذاته ويتخلص من حالات الاكتئاب والقلق دونما حاجة إلى طبيب نفسي . وهذه القصيدة بالذات كتبتها في فترة قلق صعبة مررت بها، وكتبتها لأشفى وفعلا ساعدتني الكتابة على تجاوز الحالة لأكتب بعدها مباشرة بعض القصص المفعمة بالبهجة نشرتها في  مجموعتي القصصية « تفاح الظل ».

لطيفة أحرار فنانة مغربية جسدت ديوان رصيف القيامة في مسرحيتها  » كفر ناعوم » بكثير من الجرأة، هل ترى أنها  جسدت هذا العمل تماما كما كتبه ياسين عدنان ؟ 

طبعا لا، ولحسن الحظ. وإلا لما كنا لنربح عملاً جميلا اسمه »كفر ناعوم ».  لطيفة أحرار أبداً لم تحاول تجسيد عملي الشعري في حرفيته بقدر ما سافرت داخله عميقا بحساسيتها الخاصة كفنانة. وانطلاقا من رصيف القيامة كتبت نصها الدرامي الخاص. « رصيف القيامة » في الحقيقة كان خلفية نصية لكفر ناعوم ، تلك المسرحية التي أثبتت لطيفة أحرار من خلالها إلى أي حد هي مخرجة كبيرة وفنانة من طينة الكبار.

  » قنديشة »، مجلة إلكترونية مغربية جديدة ، تساهم من خلالها مجموعة من النساء المغربيات بمقالات وأعمال في مختلف المجالات، هدفنا إيصال رسائل جريئة من أجل إعطاء صورة حداثية ونموذجية عن المرأة المغربية ، فما رأيك   في هذه المبادرة ؟ 

رأيي أن المغرب اليوم له وجوه جديدة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تذهب بجرأة وثبات في اتجاه المستقبل. إذا كانت الصحافة هي المجال الأول الذي يصنع فيه الرأي العام، فإن الفضاء الإلكتروني صار اليوم إحدى المساحات الأكثر حيوية بالنسبة للصحافة المغربية، وأتمنى أن ينفتح المستقبل على إعلام جديد سمعي بصري ومطبوع يعرف كيف يستفيد من هذه التجارب الشابة.

وأنا شخصيا كفاعل في حقل الإعلام لا أملك إلا أن أهنئ نفسي ب مجلة « قنديشة » الإلكترونية وبالأفق الذي تسعى إليه، ولعله نفس الأفق الذي نسعى إليه جميعاً.

كيف تقيم وضع المرأة المغربية حاليا ؟

هناك دينامية في المغرب يجب أن نفتخر بها مقارنة مع باقي النساء في محيطنا العربي، وأنا متفائل بهذه الشراسة الناعمة الوديعة التي تصر مجموعة من الفعاليات النسائية اليوم  على الدفاع بها عن حقوقهن من أجل مساواة حقيقية. لكنني فينفس الوقت أخاف من الطريقة التي تستغل بها القوى المدافعة عن الماضي  المرأة المغربية في معركتها ضد حقوق هذه الأخيرة. ليس هناك أقسى على المرأة من شقيقتها المستلبة

 ما رأيك في مسألة تعدد الزوجات في المغرب ؟ 

إذا رجعنا إلى السوسيولوجيا ولاحظنا تحولات الشعب المغربي في العقدين الأخيرين سنلاحظ أن التعدد لم يعد ظاهرة مجتمعية. إنها قضية سجالية أكثر مما هي ظاهرة مجتمعية. لكن إذا شئت الزج بي في السجال فلا أخفيك أنني أعتقد، مبدئياً، أن النص القرآني في عمقه ضد التعدد لذلك فقد نزلت الآية للحد منه لكي تحصر التعدد في: مثنى وثلاث ورباع وذلك في زمن كان فيه عرب الجاهلية يتخذون أضعاف هذا العدد أزواجا لهم

 وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا »

(  سورة النساء- الآية 3 )

التعدد في النص ليس سائبا بل هو مشروط بالعدل، والقرآن يحسم الأمر في الآية  128 من سورة النساء

  وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ »

إذن منطقيا جوهر النص ضد التعدد ، مع العلم أن قراءته في سياقه التاريخي تجعلنا نفهم أن حصر التعدد في أربع نساء  هو تقييد للتعدد الجاهلي. لكن القراءة اللاتاريخية والسطحية التي تكتفي بالمنطوق ولا تذهب إلى المقاصد العميقة تعتبر التعدد غنيمة لا تريد أن تفرط فيها نظريا مع الواقع اليوم جعل التعدد صعبا بل ومستحيلا في مجتمعنا الحالي

 نفهم من ذلك أنه صعب أن يكون لياسين عدنان أكثر من زوجة ؟ 

  يضحك – صعب فقط؟ بل مستحيل. حتى الآن مازلت أتهيب من الارتباط بواحدة فما بالك بأربعة؟

مارأيك في مظاهرة  » slutwalk » التي ستنظمها مجموعة من النساء المغربيات للمطالبة بوضع حد لظاهرة التحرش الجنسي في المغرب ؟

إنها معركة مشروعة بل ونحن في أمس الحاجة إليها لأنها ستحاول أن ترفع من المستوى القيمي والأخلاقي للشارع المغربي. وطبعاً حينما يغيب التحرش الفظ المؤذي عن الشارع يصير هناك مجال لعلاقات إنسانية أكثر سلاسة وانفتاحا بين الجنسين بدل كل هذا الضرب والجرح الرمزيين المتبادلين في شوارعنا. هناك الكثير من العنف اللفظي يمارس في الشارع المغربي في إطار التحرش. والتصدي لظاهرة التحرش الجنسي هي محاولة شجاعة لاشتباك مع الشارع من أجل تهذيبه، ومرة أخرى  هذه معركة ثقافية بامتياز.

     

Ranya Lamhamdi