Tags

Related Posts

Share This

!متقيش كتابــي

هذا ليس بغريب أن نأتي بعبارات استعملت من ذي قبل ، عبارات كررناها من سخطنا و من قهر ما عانيناه من  لامسؤولية من لا مسؤولية له ! ذلك و أن شريحة واسعة من فلذات أبناءنا تعرضوا لانتهاكات جنسية و أمكنة ببلادي شوهتها إيديولوجيات دينية متطرفة ، اليوم جاء جيل جديد ينادي بشرف ميتافيزيقي و نخُبوي طُمر في المكتبات دون التفاتة متأبط لحقيبة ، كتب نالت مما نال منه الحائط من قراديات و كلوروفيل جراء نسيان أو إعتزام إحباط أو تقزيم أقلام مغمورة تمارس شغبها و هلوساتها على أمكنة بيض تسر الناظرين…

هو نتــاج أحزان و خلاصات معتقة لرؤية حقب من الزمن و تخمر لنسق التفكر حيث يأتيك الإبداع من حيث لا تدري و ما كنا لنصبح ذوات أقلام إلا بعد قدرة القادر على ضخ جرعات من التفلسف و تراكم التجارب على مر الرأس فتحاصرني في البال و أنا أكتب مقالي هذا  مقطع لمجموعة الغيوان عندما تسمعهم بحسرة  إيقاع رجل واحد « بحر الغيوان ..ما دخلتُ بلعاني !  »
من ذا الذي شاء أن يُعذب نفسه و الغير و أن يُحرف ما أحسه في وقت من زمن ؟؟ من ذا الذي يشاء أن يعتزل الناس و أن يبكي وراء كل حرف مغموس بالحزن و يشربه بمرارة قدح المواقف حتى يهديها طبقا عاجيا لقارئ و منتج عابثين؟؟؟ من ذا الذي يشاء أن يقض مضجع نومه و القوم نيام لا يستصيغ سنة و لا يمس حلما يأتيه جن الحروف بعذابات الأبطال ، فيكتب و يَكْبَتُ حسّ الروح فيه كي يخمد بركان الضمير فيه؟؟؟ من ذاك الذي يكتب حتى تُصادر بنات أفكاره وِفقاً لميول الناس و أهوائهم ؟؟؟؟
الكتابـــة أول الحريات و أول علم رسا على قواعد أمتنا ، تُدوِّن المسكوت عنه و تُفصحُ عن الهواجسِ و الدّواخل فتكون بمثابة طبيب نفسي مجاني نحيله على أشياءنا الخفية ..يرانا العوام عُراةً حُفاةَ..نُكلّم الأبكم و نعشق الأصم و نتبنى قضايا بجرة حرف !   كم من الصفحات غسلت أياما و أشادت قصورا ووجد فيها المعتل شروط السلامة و عاشت المكتئبة فيها دور البطلة ووجدت المرأة كيانا جديدا يناديها عبر روح غُرّةٍ شقيّــة…
و يأتي ذالك اليوم حيث نبحث لنا عن مصحات تجيد استخراج كبد من أحشاء الروح و تسهر دور النشر على استنزافنا ماديا و معنويا و يكون مشرط الجراحة مسلولا يشق آخر ريق الصبر فينا و نمشي بسكوت و نستبيح ذبح الرضيع بشروطهم القيصرية ..أحيانا يبيعوننا الوهم و نرضى ..لا يأس فينا ذاك مبدأ المبدع المثابر قسمه أمضى و أعدل من قسم « أبو قراط » ولو كان للأديب قسم لتجاوزت إبداعاتنا روعة الملائكة …

بين الوقار و اللوثة نستدعي الحرف ليكون السكينة فلا يملك الكاتب منا شاعرا أو روائيا أو قاصا أن يحاصر أفكاره بأحزاب و أنماط و دلالات السفسطة ..الأديب زئبقي لا منتمي يعبر و يدافع و يناقش و يراهن على إبداعه – مخطئا كان أم على صواب – مضيفا للتاريخ باكورة تأملاته التي ما كانت لتكون مرجعية للأمم إلا بعد أن احتُرمت و نوقشت و عُرضت و عَارضت و قَسَت و رقصت على الجراح كلها و ربما داوتها دون مراهم …الكتابة وشم الضائعين و الصامتين الصائمين على شهوات الواقع ، الأدباء يكتبون حتى تكون أمور العامة و الخاصة واضحة ..يكتبون من أجل تحرير الوعي عن طمر اللاوعي ..نكتب كما قالت الروائية الإيطالية « ليديا ريفيرا » :
« إن دافعي للكتابة هو حب الاستطلاع الذي يحمل معه رغبة قوية في التواصل مع الآخرين ، إلى جانب إحساسي بالفترة العصيبة التي يمر بها العالم حالياً حيث يدعوا البعض لصراع الحضارات تحت دعوى الديمقراطية والحرية .. وأعتقد أن الأدب يُمكن أن يكون علاجاً لكافة أشكال التعصب ».

و نحن على أعتاب السنة الجديدة كل ما يتمناه مهمشي مثقفي المغرب – الراكنين في أقطار التقسيم الجهوي و الذين ينتظرون من مؤسسات صغيرة دعمهم بأمسيات و ملتقيات يقتسمون فيها نتاجاتهم الفكرية – أن تحيطهم بالعناية و الإهتمام و التنقيب عليهم أينما تواجدوا ..ذلك و أن لوبيات الأنظمة القديمة اختزلت في ريعها وجوها و أسماء تتحدث باسم المغرب و مثقفيه..نخبة تنتظر اقتسام الدعم المادي و تنتظر الولائم و الحفلات و تكريمات ضخمة على حساب مغمورين كثر ..تدعم كتبهم و تغلف و تنمق لكي توضع في رواق خاص بهم ..لا يحاكي المواطن البسيط ، هم للنخبة و النخبة فقط هي المستفيدة الوحيدة من حاشية الوزارة و مقربيها …نحن لا يخفى علينا استبلاد دام لقرون ذلك وأن للثقافة و صناعها الجدد خطر يحدق باللوبيات و الإتحادات التي توزع عضوياتها دون أن نعي تماما أن الكاتب لا تصنعه بطاقة عضوية ..نسوا أن البطائق وحدها لا تكفي !
نتمنى أن لا تخذلنا الحكومة الجديدة بمصادرة إبداعاتنا في جوهريتها و في عمقها و في طرحها و تناولها قصا و سردا و شعرا..نأمل أن تكون الثقافة من صلب و محور الآتــي و أن لا تتحول لانتهاكات الحريات الفكرية .. أن تعي كل الوعي أننا كثر من يكتبون على حساب قوتهم اليومي ..أن الكتابة ليست مهنة و لا نقبلها تجارة و لا نبيع نحن الوهم و الكلام، لذلك ذات يوم سُئِلَ الكاتب الكبير مارك توين، من قبل أحد أصدقائه : ماذا تعمل في هذه الأيام؟ فأجاب مارك توين: أكتبُ  قصصاً.. أجابه صديقُه: وهل بعتَ شيئاً ؟‍! أجاب الكاتب: نعم…لقد بعتُ ساعتي، وأكثر ملابسي، وأفكّر الآن أن أبيع فراشي… !

نحن من نكتب – أحياناً- على حساب رواتبنا المزدرية و أحيانا نجد صعوبة جلية في التوفيق بين العمل و أعباء المنزل و منغصات الحياة و بين أن ننتج و نؤرخ حتى نرى علم مغربنا الحبيب عاليا..
لذلك و إن كانت حملتنا (متقسيش كتابي)  لها من الدلالة القسوة و التنبؤ و التسرع في بناء حكم استعجالي ، إلا أنه و في عمقه هم و تذكير حتى لا يتم قتلنا البطيء بوأد بنات أفكارنا ..
و أختم مقالي بقولة جبران خليل جبران بتصرف :

 الحق يحتاج إلى رجلين .. رجل ينطق به ورجل يفهمه

و رجل يطبق الإثنان…

FATIMA ZOHRA RIAD