Tags

Related Posts

Share This

المزيــدُ من أَمِينــــات…المزيـــدُ من وأد الأُمْنيّــــات 


و الدور آتٍ على منْ؟؟ أظنّ أنّ كل امرأة هي الآن مشروع للإغتصاب بامتياز؛ فقدتُ تلك النظرة الورديّــة في العيش مع نصفي الثاني بكرامـــة، فأنا اليوم مطالبة بالحذر أكثر، بتّ أصعَدُ سلم العمارة و كلي وساوس من مترصد لي خلف الطوابق، و إن ركبت الحافلة و جلس بجانبي رجل طلبتُ من السائق رجاء إبدالي حيث تجلس فتاة و حتى حين أتجول بتّ لا أتعدى الساعة السادسة (وقت خروجي من العمل أصلا) حتى لا أحاسب نفسي عن التجول في مدينة لا نورٌ في شوارعها و لا ذكر واعٍ.  1

صدّقوني تفاصيل الخوف لم يكن وليد مرض نفسي عابر أو نتاجا لموقف سخيف وجب علي تجاوزه ؛ فروايات عديدة بلسان المتحرشات و في الأخبار جعلت الأمر متفشّ لدرجة أنه لم يمر عليّ يوم واحد عن ضجة أمينة لأجدني في موقف لا يحسد عليه، و ترجع الوقائع ليوم سبت حين تعرّضت للتحرش من »صغير » يسكن بحيّنا ؛ كنتُ أعتقدُه « صغيراَ » لولا موقف تحرشه هذا ؛ فما علمتُ قطّ متى تربت له ذقن الخشونة و متى تنامت عضلات الإهانات ؟  ربما كان التقاطي لمثل هاته التغيرات الجسمانية نقص معلومات و تربية ؛ فهم علّموني من وظيفتي أن أكون بين تلامذتي كأُمّ مُربيّــة لا كمُدرّسة ؛ و كأخت في العمل قبل أن أكون الزّميلة ؛ أعاملُ الكلّ بابتسامة استباق النيّة الحسنة كما تربينا أن « الإبتسامة في وجه أخينا المسلم..صدقة ». كُنتُ أظنني بابتسامتي العادية جدّاَ قادرة على إضفاء الهدنة على من أعرفهم و من لا أعرفهم، هي ابتسامة ككل النساء الكادحات بحجاب أو بدونه، ككل أقنعة الروتين حين نرسم القليل من السلام على وجوهنا المتعبة /الفرحة، كنتُ أظنّ أني أبتسم لهذا الولد « الصغير » في نظري، « الفحل » في نظره و كأنني أنظر إلى تلامذتي ممن داهمتهم المراهقة على غفلة منّي و كبروا مرة واحدة دون أن أعي و دون أيضا أن ترى الأم الساكنة بين أضلعي أن صغارها يظلون صغارا مهما فرُع طولهم.. و اسمحوا لي أن أعبر لكم عن خيبتي الكبيرة أنني ربما قد..أخطأت !!!1

أخطأت عندما كنت أبادل تحية صباح الخير بمثيلاتها، فقد كان الصغير يُؤوِّلُ التحيّة لإغراء شديد من جهتي !! و ربما أخطأت عندما كان يهرول نحوي لأخد أكياس بلاستيكية مدعيا المساعدة فيما أنا أصده بتهذيب بدعوى أني شخص عصامي حتى في حملي لأغراض بيتي، و من الممكن جدا أن يجد ذاك « الصغير » في ابتسامتي الباردة على وجهي كلّ يوم نداء خبيث لما يدور في عقله البريء !!! فهكذا نحن لا حق لنا في الدفاع عن سلوكياتنا، الرجل بريء من كافة التهم المنسوبة إليه ، و الذكر ينتظر مشجبي ليعلق عليه تحرشه الشنيع و ها أنا ذا أعفيته من الدّفاع ؛ دام البريء بريئا .1

كانت لي رغبة -حين تبعني السلم يتغزل و يمط شفتيه القذرتين- في الصراخ و البكاء ، عندما أصر ذاك الطّفل (( في عيني))  بأن يتحرّش بي كامرأة في وجه « ذكر »، لكنني تماسكت فأدرت له رأسي و صرخت في وجهه كأي تلميذ لم ينجز واجباته و لم يكن أحد بالعمارة سواي ؛ و طبعا لم أعلم من أين أتيتُ بشجاعة تلقينه بعض النصائح و الأخلاقيات قبل أن أرى عيناه و يداه الزائغتان تمتدان صوبي، تراجعت و قفزت ما تبقى لي من درج ثم أوصدت بابي عليّ، و إني بكتابة هاته الأسطر ينتابني نبض متسارع كلحظة « خوف » ، كلحظة أن تهتزّ في مخيلتك شخصيات تعرفها و لا تعرفها ـ تتصرف معك بلغة الجسد المتامهي في الإسفاف بدلالات جنسية منحطة .. ذاك هو طعم الإحساس بالإهانة.1

لقد هذبت ذاك الولد جيّدا حين شكوت أهله و لم أسكت على موقفه السخيف ، أحسست برعب أبيه و خزيه الشديد لما صدر منه تحسرت و نسيت الأمر لكن شيئا ما بداخلي جعلني أتحسر كلّ يوم على أطفالنا… على الجيل القادم و تربيتهم التي باتت في نظري مشكوك فيها ؛ ماذا أعطينا لهؤلاء؟؟ إعلام فاسد و مرتجل متجاوز لسقف المعقول، و أعطيناه حشوا معرفيا كي يجتاز مدرسة النجاح بكل نجاح… تلك مصلحة الطفل أولا… نسيت !1

ما قرأته اليوم على بوابة الصفحة المهتمة بمستجدات التربية و التكوين كان صادما و قاتلا؛ فالخبر كان يتضمن اغتصاب جماعي لمراهقين لفتاة و إجبارها على مرافقتهم حيث اعتدوا عليها بشكل همجي حسب المصدر ذاته فلولا أن المسؤول عن دار الطالب لاحظ آثار الكدمات و التمزيق لالـتزمت الفتاة الصمت و لطوي الملف للأبد… الآن تعرض القضية على محكمة آغادير لنرى الحكم في إنصاف كرامة تلميذة آتية من إحدى دواوير طاطا حتى تنال حقّا في الدّراسة لا غير !1

آه يا بنيّتي، إذا كان ما حصل لي يجعلني ألعن حظي العاثر فما بال حالك الآن بنيّتي و كيف أنتِ يا لحبيبة بين أوجاعك تنعلين ألف مرة حظك في الدراسة و ألف مرة لأنوثتك و ألفين مرّة لأنك لا تزالين على قيد الحياة؟؟ 
آه يا بنيّتي، لما أصبح إخواننا في هذا الوطن أكثر الذئاب علينا ؟ و لما وجب علينا احتمال وضاعة البعض و تفاهتهم و خبثهم و الصمت على تجاوزات المتحرّشين ؟

آه بنيّتي… في صباحي هذا… أنتِ و أمينة و الباقيات الصامتات تُوأدُ أحلامهنّ في الشوارع الغير مضاءة حين نرجع من عملنا منهكات ليلا… في الثانويات اللامراقبة أمنيا… في صباحنا الباكر لجني البطاطس في الحقول الفارغة… في مكاتبنا من رؤساءنا في العمل… و أحيانا من أُسرنــا : للملاين المتزوجات المغتصبات كذلك من أزواجهن كل يوم تحت سقف الواجب الزوجي.. و كل يوم توأد من منعدمي الضميــر و ما أقسى الأماني و الأمنيات يا حبيبــاتي…

 

FATIMA ZOHRA RIAD