عندما أكتب مثل هذا المقال Juil31

Tags

Related Posts

Share This

عندما أكتب مثل هذا المقال

عندما تبكي ؛ تلك اللحظة عندما تودع آخر شخص كأنك تراه لآخر .. تبكي المرأة بحرقة أكثر ؛ لا تفسير بين كرامة تئـِنُّ و بين رجل متردد في اختياراته …

عندما تتألم ؛ تلك اللحظة التي تجدك لست المعني بكلمات الحب و الولع .. تجد نفسك في محل الصديق و الصديقة ؛ لا تفسير بين الحب المنقطع النظير و بين الحب المشروط ..

عندما تضحك ؛ تلك اللحظة التي تنهك فيها نبض القلب بسعادة القفز و الوتب بين الشرايين … تجد نفسك مختطفا لبرهة من الزمن ؛ خارج الزمكان في رحابة تلك الهدنة المصطفاة بعناية الواحد الأحد…

أكتب ذلك و أعنيه جيدا في هاته اللحظات العصيبة التي تجدك في وضعية الغريب عن مجرات الكون ؛ حين كان يكتب صديقي في كل مرة على صفحته الفيسبوكية « تلك اللحظة حينما.. » سبحت في عمق هذا الأسلوب الذي يبدو لأول وهلة رديئا ريتما تحول إلى أداة « وقفة » تأمل حقيقية  مع المواقف التي تقتنصها لنا الحياة .. ففي تلك اللحظات يولد أشخاص مثلنا في محطة ما في حياتهم ؛ و في تلك اللحظات التي نكون نحن فيها ..يموت من حولنا النمل و يندر الماء في زامبيا..و يفوز منتخب زمبابوي و تتجوز العروس الهندية في باكيستان ..في تلك اللحظات التي نُختطف بعنوة من المواقيت و نواميس الكون ملايين المرات ؛ لا يحزن بدلنا آخرون..يبكوا آخرون لأجل أسباب مختلفة تتقاطع فقط في تلك اللآلام المصاحبة للحزن ..

الحزن كافر..من منكم عاش نصف السعادة ؟ السعادة تعاش بين أزقة الحياة المليئة بمفاجآت الطقس و المزاجية و ذاك الآخر؛ أما الحزن فهو عتيد كالجبل ؛ شاهق كالموج … بسيط كدمعة !

يأتي الحزن مختلفا بطقوسه المغردة بطيور الوداع ؛ يأتي الحزن غالبا على شكل غصة تختلط في أمعاءك و تودع قلبك الوديع لاعتصار أشياءه كي تنزف أكسجينا في شهقة ..

كيف يكون الحب شيئا غبيا لدرجة تصديقه؟ تلك اللحظة التي تفتح فيها خزائن قلبك إيذانا بالغريب ..و ذلك الغريب الذي يدخل القلوب من أوسع بطونها يتصرف في بهو البيت كأنه صاحبه لا الضيف ؟

كيف يكون الفراغ حين تُطفـَـأُ ردهات بطينات ذاك العضو و يختفي الغريب و تتكمش عطوره و نختنق نحن بالرحيل ..

كيف يكون واضحا على عقلنا الإرتباك ؛ أيا كانت أسباب الرحيل ..فالألم واحد ..

المرأة المتصالحة مع ذاتها ؛ في تلك اللحظة حينما يباغثها الدمار ..توكل البسمة كما عهدتها الحياة ..تتألم بصدق و تنسى بصدق أكبر ..و ابتسامتها مكياجها الذي يزين حياة الكثيرين.

المرأة الغبية ؛ في تلك اللحظة حينما يطالها الانهيار … تتمسك في ظالمها أكثر… تتألم بصدق و تتعلق بحمق أكبر … تبطل عقلها ..توكل جموح التفاهة لتكون تافهة أكثر… فتستحق بذلك المزيد من الأشغال الطرقية بشوارع ذاتها المدمرة ..

المرأة القنوع ؛ في تلك اللحظة حينما يغرقها شاطئ الألم… تتمسك بألمها الجميل و تمسح بدمعها كثير الشقاء لتوفر لها كثير الصبر..ذاك الصبر المرّ في لزوجة تحققه و في استحالة الإيمان به..الإيمان القوي بالآتي الوردي..

المرأة القوية ؛ في تلك اللحظة حينما ينسحب الفرح بين فساتينها مهرولا…تدخل يديها داخل ضلوعها تمسك بالقلب..تصفعه صفعة الرجل الواحد ..ترمه أسفل ناظريها بحنق تدخل كعبها العالي تتأكد من أن الكعب مزق الرحيل جيدا ؛ تأخذه بين كفها تزيل عنه ما بدا من دم فتعيد وضعه كديكور متلف أعصابه داخل قفصها الصدري ..يبكي عقلها كثيرا كثيرا.. لكنها تُحسن التماسك..تحسن إظهار العيش و من المدهش حقا القول أنها لا تُلدغ من الحب مرتين…

تلك اللحظة ..التي تقف فيها المرأة أمام رجل يميزها للونها..لعرقها..لإطارها الإجتماعي؛ حين يلفظ الحب آخر أنفاسه بينهما مدعيا أن للحب أوجه عديدة عنصرية تقبل الميز !

أسوأ اللحظات أيضا..تلك التي تكون محض اختيار مجبر لعادات العائلة في زواج مــا..و تضطرين لقول « اللاااااااا » بأعلى صوتِك من أجله هو..و تضربين أوهام العائلة « كرجل » ؛ لا تهمك لومة اللائم ؛ رهان التحدّي و كسبه في حياة رحبة بجمالية أحلامكما..لحظتُكِ !

تلك اللحظة التي تضطرين لصنع « قرار » ؛ ذلك القرار الذي يخلق لكِ الكثير من المخاوف المتناقضة ..حين تضطر لاستخدام كل ما درسته عشرين سنة ..و بسط كل تجاربك و خبراتك على طاولة اللحظة..ثم تجمع كل أشياءك و تنثرها من على شرفتك..لتصنع قرارا لحظيا لا يستند إلا لصوت الثالث ..شيطانُك..عقلُك..قلبُك..أعرافُكَ..الآخرونْ !

تلك اللحظة التي تمزّقُك ..تؤرقُك..تنالُ منك..لتلك اللحظات التي تدفننا أحياء بكفن القسوة..لتلك اللحظات التي نفتقد فيها صدرا حنونا لنغرس فيه ملامحنا المنهكة من جرعات و زحف الزمن…للحظات التي تهملنا و نحن على أعتاب أخطاء جديدة ..لتلك اللحظات التي لا نفكر في مغزى توقيتها ..للحظات التي تُسمرنا كمومياء تتحنط فيها مشاعرنا فنتخذر؛ ترى أنه بإمكانك أن تقول لها شيئا أن توقفها أن تأتي بها أن تتوسلها ..تلك اللحظة التي تعي بكامل وعيك أنك لم تسنفذ بعد وسائل التخلي ..أنه لازال بإمكانك قول الكثير ؛و لا تقول !

لتلك اللحظات التي لا ننام بها أياما معدودات..يحج بنا التفكير إلى أحباء نشتاقهم تحت الأرض..
لتلك اللحظات التي نستفيق فيها فزعين من أحلام لا تتكرر إلا بهم..بظلمنا لهم..بحبنا لهم..أو فقط لأننا لا ندري منهم ؟ !

لتلك اللحظات التي لا أرفع فيها قلمي..لا أدري ما أقول و ما أكتب؛ يمزقني قلمي بين أحشاء صدغ الكلام ..لكل تلك الدموع التي تجعل من لحظاتي كثيرة جدا و متكررة بالشكل الذي يجعلني أعتاد لحظتي…
للحظات النسيان و قول أن كل شيء هو على ما يرام..و لا أُلام !
للحظات الضعف و للحظة القوة ..
لتلك اللحظة التي تصغر فيها جدا جدا لأجل عناق والدتك..

للحظات التأمل تحت سقف المرحاض ..و للحظات الإغتسال تحت رشاش ماء الإستحمام..و للحظات الغناء على الشرفة …

و للحظات زحف التجاعيد و لحظة فواتِ القطار..و إلى لحظات انتظار …

عندما تكتب مقالا كهذا مليئا بأولامبياد القفز و الغوص و رمي جلة اللحظات في » استاد  » الحياة …تكتبه لأجل أن تتنفس مع القارئ و تفهم مثله أنواع الوجع المتمثل في برهة زمنية ! اعلم أنك و أنني أداوي أشياء لم تكن إلا محض اختيار قلوب سلكت أول طريقها للمعافاة في عيادة الكتابة …

FATIMA ZOHRA RIAD