الإبداع الأنثوي Mar04

Tags

Related Posts

Share This

الإبداع الأنثوي

عندما دخلت المرأة عالم الكتابة، كتبت عن ذاتها، تجاربها و ألامها التي تختلف تماما عن تجارب وآلام الرجل من الناحية النفسية و الثقافية و اللغوية، عانقت المرأة الحرف لتسمع صوتها المقموع و المكبوت بعد ان وطأت متأخرة أرض الكتابة، كيف تجرؤ إذن أن تقول ما لم يسبق للمجتمع أن سمعه منها؟ و كيف ستقوله؟ بأي لغة ستكتبه ما دامت اللغة من اختصاص الرجل؟

الرجل يمتلك إمكانيات متعددة للبوح و التعبير بحرية خلاف المرأة، لأنه يكتب دون أن يشعر بأن وراءه رقيبا من أب أو زوج أو مجتمع… ففي مجتمع ذكوري بامتياز، ظلت المرأة طيلة مشوارها الأدبي أمام امتحان لعبة الكتابة، لقد مارست و تمارس الكتابة و هي تنظر إلى الآخر و العالم عبر منظار ذكوري، إلا في بعض الحالات القليلة التي نجد فيها المرأة الكاتبة قد تخلصت من قيود الرجل في كتاباتها.

على المرأة، إذا أرادت أن تبدع، أن تحرر كتاباتها و تناهض التصور التقليدي للمجتمع عنها، و تمتلك القدرة على قتل الأنثى المقموعة داخلها و القدرة على انتزاع حريتها من واقع ذكوري لاختيار الكتابة مسارا، فالحرية شرط أساسي لممارسة الإبداع، و الكتابة مغامرة مستمرة تحتاج إلى امتلاك فعلي و حقيقي للحرية، الأكيد أن الجنسين معا يتقاسمان نفس الهموم و نفس القضايا، ليست المرأة وحدها التي تعاني من الشعور بالنقص و الدونية، بل الإنسان المقهور ككل فقد إيمانه بذاته و إنسانيته، الكتابة إذن مشتركة بين الجنسين، لذلك تأتي ضرورة الاختلاف في نسج الرؤى و بلورة المفاهيم و القيم، نسج يتناسب مع خصوصية التكوين النفسي للمرأة و ثقافتها الذي يختلف تماما عن الرجل، إننا في حاجة إلى كاتبات حقيقيات يكتبن عن قضايا مصيرية كبرى و يحطمن بكتاباتهن النظرة الأحادية للعالم تجاه القضايا.

الكتابة هي الأدب، و الأدب يتداخل مع الذات، فالذات التي تكتب عن نفسها تخضع لتجارب حياتية ذات حمولات نفسية في إطار القوانين الاجتماعية و التاريخية تترك بصماتها على الإنتاج الإبداعي شكلا و مضمونا، و هذا الصوت الخاص في إبداع المرأة يصبح ضروريا لتغيير و تجديد أفق الإبداع المكتوب و تجاوز هيمنة الخطاب الذكوري في الإبداع الأدبي.

إن المرأة الكاتبة مطالبة بأن تكمل ما أغفلته العين الذكورية في الإبداع، لهذا تغدو الكتابة عند المرأة مساءلة للذات، للذاكرة، للآخر… بامتلاكها تجربة نفسية و اجتماعية عاشتها لأزمنة طويلة، قمعتها و كبتتها، لذلك عندما تكتب المرأة أدبا فان حمولات نفسية تراكمت لزمن طويل تتدفق بقوة، و تصبح كتابة تتصدى للعنف الذكوري، تنبش في الذات، في الذاكرة و العالم بحثا عن هويتها.

استرجعت المرأة- الكاتبة، أو كادت، إيمانها بذاتها و إمكاناتها الإبداعية و حقها في القول المختلف عن قول الرجل و إبداعه، و أخذت المرأة مسافة تأمل و دراسة و اكتشاف أدركت عبرها وضعها النفسي و واقعها الاجتماعي و موقعها من المجتمع، فاستطاعت أن تستنطق تجاربها الحياتية انطلاقا من واقعها المعيش بصوتها الخاص و نبرتها المتميزة، و هذا الوجود الأنثوي في النص الإبداعي ساعد على تصحيح مفاهيم خاطئة عن المرأة روجها الخطاب الذكوري على مر العصور و الأزمنة.

في كتابة المرأة، حضور لصوتها، حميميتها، حنانها و رؤيتها لقيم المجتمع الذكوري و كيف تتعايش معها، لذلك، عندما تكتب المرأة بصوت الأنا يتشكل وعي جديد عما يكتبه القلم النسائي.

و بما أن الكتابة هي علم متع اللغة، و الأدب عموما هو اللغة… الكلمات، الحروف، حيث تأتيك حين الكتابة نشوة توقد فيك كل مشاعل فتنتها.. فرحها.. ألقها… تراودك عن نفسك أينما وجدت، فأنها هي الأداة التي ستمنح المرأة مصالحتها مع ذاتها، فقد اغترفت و نهلت من معجم أنثوي خاص بها، و أصبحت لغتها لغة مؤنثة، لغة مليئة بالرقة و الحنان، ابتعدت عن المرأة- الرجل لتقترب أكثر من هويتها الجنسية المرأة- الأنثى، و استرجعت باللغة أنوثتها، بدأت تتجرأ شيئا فشيئا على فحولة اللغة و أنثت الخطاب الأدبي.

لقد كادت اللغة إذن تعلن أنوثتها، فتأنيث اللغة يستدعي تأنيثا في المعاجم من أجل مواكبة التطور الحاصل في نسق القيم الاجتماعية، و ترجمة ثورة القيم الأنثوية التي تساهم إلى جانب القيم الذكورية في بناء نسق قيم إنساني جديد يواكب تطور الإنسانية.

اللغة الأنثوية تحيا، فهي كائن من لحم و دم… هي امرأة صغيرة و فاتنة تحتاج لمن ينميها حتى تقف على قدميها، إنها تقطر سحرا و أنوثة، تمتلئ رقة و حنانا… بواسطتها ترجمت المرأة فكرها، ثورتها، انكساراتها، انتصاراتها، سعادتها، خيالها، حلقت الكاتبة بلغتها لتصل إلى سماء الكمال.

اللغة إذن هي الأسلوب، هي البصمة التي تميز كل كاتب عن الآخر، و المرأة الكاتبة حين نهلت من معجمها الأنثوي في اللغة، بدت شخصيتها مختلفة بشكل خاص، و متألقة في جمال رائع داخل كتاباتها الإبداعية. إذا كتبت المرأة، فهذا لا يعني بالضرورة أنها ستكتب أدبا مختلفا، متميزا و جيدا، لكنها مطالبة بأن تكتب في اتجاه مغاير يخصها، يستنطق عوالمها الخاصة، و ذلك بلغة جذابة تنسيك انك تقرأ، و إلا فلماذا يستعملها المبدع إلا ليستروح عن نفسه و يمسح أحزان روحه و يحيي أغنية الأمل و الجمال؟؟