إفك الوسطية أو ميساء سلامة الناجي Avr02

Tags

Related Posts

Share This

إفك الوسطية أو ميساء سلامة الناجي

إفك الوسطية أو ميساء سلامة الناجي

Posté par Hanane Guennoun le 2 avr 2013 dans Focus | 67 commentaires

Hanane Guennoun

خرجت منذ فترة من حيث لا أحد يدري، أقبلت علينا بثوبٍ درامي، كمن يُريد أن يعيش و أن يُعاش معه « ريميك » لرائعة هرم السينما يوسف شاهين، فيلم « عودة الابن الضال ». لكن في الواقع، لا يهم من أين أتت و من تكون، بقدر مايهم أن أفهم حيثيات و أهداف جرمها المكتوب، الذي لا تمل من اقترافه في حق الحرية و المرأة و الفن و حتى في حق الإسلام نفسه.

لا أحد يعي ماهية العلاقة الخفية المخفية بين ادعاء هاته الآنسة الدفاع عن الوسطية و الثورة لكرامة الدين، و بين العنف و الحث عليه، و سيوف الحيف التي تقفز من « مقالاتها » لتضرب رقاب قيم مهمة، أريقت من أجلها الدماء، و ذاقت في سبيلها شعوبٌ من القهر و الذل ألواناً. ما هي يا ترى الرسالة الكاملة السمو، التي تحملها « سيزيف » العصر الإسلامي الحديث على عاتقها؟

بعد متابعتي، على مضض، لانفعالات الميساء، التي غالباً ما تنجم عنها كتابات تدخل في عداد التطرّف الفكري، و العنف ضد الإنسانية، أظنني فهمت أن فريستها الوحيدة، و عدوها اللدود، ما هو إلا ذاتها كامرأة، و في جموع النساء تنتقم من نفسها لضحايا نجهل هويتهم. فتارة تأتي بالعفو و الخلاص لكل مختل جنسي بغيض، و ترمي بالمسؤولية أكملها على أم رأس القاصرات، قائلة أن في زواجهن أو تزويجهن خير كثير و سلام ,و تحصين لهن من الشهوات و إثمها، و من الخطيئة و عارها، و تارة أخرى تضرب عرض الحائط بمبادىء المساواة و الأحقية و العدالة المهنية المبنية على المؤهلات و الكفاءات، صارخة على أعلى الأسطح و بأعلى صوت، أن مكان المرأة و مآلها هو المنزل، مهما تعلمت و تكوّنت و فهِمت و علِمت.

بل و ذهبت ربة الصون و العفاف إلى أبعد من هذا و دواليك، معلنة أنه بمقدورها صياغة دستورٍ شرعي، استناداً على القرآن ( حزب حزب، سورة سورة، آية آية)، ما يثير الدهشة في الأمر, هو الغموض التام الذي يحيط بدوافع مشروع دستور « الخلافة الإسلامية في بلاد المغرب »، لا أظن أنها إرادة الأمة، أو جماعة من الأمة، أو حتى إرادة ثنائي أو فردٍ منها، إلا إذا ذهب وفد سري، خلسة عمن لا يمثلهم أصلاً، شاكياً ذله و ظلمه على الأعتاب الشريفة للمُنظِّرة الشرعية الواعدة بازدهار الدين و المعتصمة ( الوحيدة تقريباً) بحبل الله، لتنقذه من دستور يتعثر، إلى مصير أسود من ظلمات الليل, و أدهى و أمرّ.

مُكفّرة لا تحترف التفكير، منهجها الحقد على الأخرى لا على الآخر و الآخرين، طريقها وعر شائك موحِل، و وجهتها، و العياذ بالله، دمار القيم المتعارف عليها دولياً، ثم دمار حطام هاته القيم. و مازال الهدف و المبتغى من كل هاته الجعجعة مبهماً…

لكن بما أن ما بُني على باطل فهو باطل، هناك تساؤلات تزور الذهن و فيه تتوالد و به تستقر: كيف للمحلّلة المحرِّمة، أن تمتطي صهوة هكذا مشروع، يتطلّب رزانة و عِلماً و اتزاناً، لا ازدراء مزمناً بالآخرين و صبّ سيلٍ عمودي من وجهات نظرها، مع مراعاة قصّ العشب أولاً بأوّل تحت الأقدام، و مصادرة رأي كل من تسوّل له نفسه خلافاً أو اختلافاً معها؟ كيف تضع « معارفها » في محك الاختبار إذا كان مصير كل من لا يجاملها الحذف و الحجب و النعت بالشذوذ و التصنيف بالمثلية ناهيك عن التكفير و الوصف بالزندقة و إحالة كل طوارئالنقاش على » آفات » العلمانية و كوارث « بني علمان »؟ و من قبل و من بعد : كيف لها أن تدعي كفاءةً بهذا الجبروت، و هي في واقع الأمر تقتلع فقرات كاملة من مقالات عالمية بنُقطها و فواصلها؟ ماذا عن الأمانة الفكرية و خيانتها؟ و خيانة الأمانة أليست من أنواع الغش؟ و من غش المسلمين أيظل منهم؟

ترفع ميساء، دون كلل و لا ملل، لافتة الوسطية. و في الوسطية توازن بين التعبّد و أمور الحياة الدنيا. الوسطية ذكرها الإمام ابن القيم قائلاً: » هي وسط بين الجافي عنه و الغالي فيه، كالوادي بين جبلين و الهدى بين ضلالتين، و الوسط بين طرفين ذميمين » [ مخارج السالكين/ الإمام ابن القيم].

لا إفراط إذن و لا تفريط !

و في حديث الآنسة إفراطٌ و غلوّ، يتجليان بشكل أساسي في حديثها عن المرأة و عن دور هذه الأخيرة في شؤون الأمة، اختزلت أهمية النساء و فاعليتهن بين جدران البيت و في معمعة الأشغال المنزلية و تربية الخلف كأن الأب و الزوج ليس أهلاً للمشاركة في مهام سامية كهاته. الإفراط و الغلوّ يتجسدان أيضاً في رفع الداعية ( و الإسلام منها براء)، من أوتوا القضيب درجات، بالقوامة أولاً و ثانياً و أخيراً، القوامة ذاتها التي من المفروض أن تثني المرأة المتعلمة عن حقها في العمل، لكي لا تسرق من القوّامين سبيل القوامة. لماذا تعمل ميساء سلامة الناجي إذن و تكتب؟ أليس في هذا » فَرعنة » على القوامة و تضييق الخناق على صحفيين رجال ( و الصحافة منها براء أيضاً)؟ أم أنه فُصامٌ قد تُشفى منه ذات يوم؟

أحتار دوماً و بنفس الدرجة حين أسأل نفسي الأمارة بالسؤال: لمَ كل هذا العنف و المسلم الحق مسالمٌ رحيمٌ متسامح؟ ما الجرم في طموح المرأة، التي تكد و تجتهد مثل الرجل و أكثر أحياناً، إلى المساواة و المعاملة كندّ لا كعبء؟ لم تكره ميساء في النساء التعلّم و العمل و الفكر و التطلع و الجسد؟ لم تضامنها اللا مشروط مع جموع الرجال « الأبرياء الأنقياء »؟ و لم تقزيم قيمة المرأة و اختزال كيانها في أدوار رخيصة كالغواية، و في مناطق طبيعية من جسدها كالمؤخرة؟ « مؤخرات الدمار الشامل »، حسب الآنسة، هي أس كل المصائب و أصل كل الكوارث الاجتماعية كالتحرش و التعنيف و الاغتصاب، بينما يظل الرجال، و إن أجرموا و اغتصبوا، هانِؤون بالبراءة و لا خوفٌ عليهم و لا هم يحزنون؟ هل لميساء علم بشؤون العالم و بالمواثيق الدولية؟ هل هي على دراية أو حتى تشك بوجود مباديء حقوق الإنسان؟

إذا كان مبتغى الآنسة استغلال العقول الساذجة العذراء، و استدراجها لساحات العنف و الاقتتال باسم الدين، الذل باسم القوامة و الفتنة باسم الدعوة، تكون للأسف من المفسدين في الأرض، لأن في تحريض البعض على البعض، و في قتل كرامة الأخرى و السعي وراء راحة الآخر، في كل هذا من الفتنة الشيء الكثير، و الفتنة أشد من القتل.

و من باب العقل و المنطق، أود لو تفهم الآنسة أن « رسالتها و دعوتها » ، كانت تجدي في أزمنة و حقبٍ أخرى، لأن الظروف كانت تفرضها و تتطلبها، أما اليوم، و بعد المسيرات الحقوقية المطولة، و الاجتهاد في الدين و العلم و أمور الدنيا، تقلّصت إمكانية تغييب العقل و المنطق، تقلّصت بالفعل لأن الناس تتعلم، تقرأ هنا و هناك، تواجه الهراء بالعلم، و الكذب بالتحليل ، و كلام العالم و الإمام و الفيلسوف بكلام الفصامي الأفّاق المحرّض.

فمرحباً بك ميساء سلامة الناجي في القرن الحادي و العشرين، حقبة يجدر بها أن تنطبع بالتعايش بدل الصراع و التحريض على الكراهية و التقتيل.

في النهاية كنت أود أن أكلمها عن ميشيل أونفراي، نيتشه و نوال السعداوي، لكن أمرهم محسوم عندها، فهي ببساطة تعتبرهم كفاراً زنادقة . سأكلمها عن طارق رمضان إذن، عن دفاعه الملتزم على ضرورة المساواة بين المرأة و الرجل في سوق العمل، عن ضرورة احترام المرأة أكانت محتجبة أم لا، و خاصة على تسامحه النبيل الذي يبسّط به للخلق الدين الوسط، بدل أن يتبنى، مثل ميساء، سياسة الترهيب دون ترغيب, وخيار التحبيب بدل التهديد بالتكفير و إقامة الحد.

لست صحفية، لا أهوى الادعاءات و لا أسرق فكر أحد، أنا امرأة فقط، ترى القوامة بالكفاءة الفكرية و المهنية، و لا ترى في النساء أي نقص يذكر. أنا هنّ و هنّ أنا، و مهما حِضنا و حملنا و وضعنا، نحن كاملات مكتملات، و أصبحنا قوّامات، و سنستمر. و أنت ميساء؟ ما أنت؟ ( لا يهم من أنت).