الجميلة والذئب Jan02

Tags

Related Posts

Share This

الجميلة والذئب

 

كانت محامية مبتدئة جميلة مفعمة بالحياة ولكنها خلافا للعديدات كانت ترفض الدردشة مع الأفراد المنتمين للجنس الاَخر لأنها كانت تجد الأمر مخالفا لمبادئه1
لم تكن ترتدي الحجاب وكانت تعشق موسيقى البوب والريغي وتحب رقصتي التونغو والصالصا وتتعاطى لكتابة النصوص الرومانسية في أوقات فراغها.. ولكنها كانت تحافظ على صلواتها وتصون شرفها بشراسة محاربات الأمازون وعزم مقاتلي الماساي في مواجهة الأسود..1
ذات صباح رمادي, أرسل لها مدير الشركة التي تعمل فيها ابنة عمها طلب صداقة على موقع تواصل اجتماعي.. شاب سبق له أن سلم عليها ذات يوم عرضا وهي في مقهى مع قريبتها.. فخجلت أن ترفض وهي التي لاتقبل عادة سوى طلبات معارفها..1
طرح عليها في بادئ الأمر تساؤلات قانونية بطريقة راقية ومهذبة جعلتها ترد عليه بإسهاب.. تناسلت بينهما الأحاديث ثم أصبح لقاؤهما الإفتراضي شبه يومي.. كان الوقت بصحبته يمر بسرعة الضوء.. أعجبها جموحه الهادر وانجذبت لروحه المتوثبة..1
أفلح فيما فشل فيه غيره ونجح في اختراق حصنها واجتياز الأبراج التي شيدتها لحماية خصوصيتها..1
أخبرها فيما بعد أنه استطاع أن يفلت من فخ الوظيفة وأن يفرض واقعه الخاص وسط مجتمع لا يعرف إلا منهج التقوقعات الفكرية والسكيزوفرينيا المنهجية والتيه الانتمائي وتردي الإرادة وتدهور الضمير وبأنه حقق قفزات في طريق النجاح العملي قلما تتحقق لمن هم في مثل سنه..1
بدا واثقا من نفسه يرفض الحلول الجاهزة والوصايا القبلية وقد كانت شركته الصغيرة واعدة بحق..1
عزا بقاءه بدون زواج رغم قدرته على الباءة إلى عدم عثوره على المرأة المناسبة معددا شروطا لم يفته أن يعترف بندرة توفرها في المرأة المغربية التي تنحصر جل اهتماماتها حسب زعمه في التفكير في الزواج والانجاب وتحسر على ضعف ثقافة النساء و على اكتفائهن بالرجل كهدف يلهيهن عن تحقيق أي إنجازات فردية..1
صارحها منذ الوهلة الأولي بأنها مختلفة عن كل من قابلهن وأكد لها بأنه وجد فيها أخيرا ندا له يحاوره ويناقشه .. وبإعجابه بكونها فتاة لا تكتفي بدور المستمع..1
ذاد عن ليبراليتها ونزعتها الرومانسية و تحدث عن الحرية والحب والأدب والشعر مستعملا كلمات منمقة سرقت منها قلبها..1
بإصرار شديد وبتمرس خبير بدأ في محاوله استدراجها إلي متاهة سراديبه المجهولة.. شرع في التلميح لها برغبته في الإرتباط..1
استسلمت بسهولة لأحلامها السرابية ولوعوده الضبابية..1
ثم قررا أن يمرا إلى الخطوة التالية أي اللقاء والتعارف الفعلي على أرض الواقع.. لم يجد صعوبة في إقناعها بأنه أمر لا مناص منه..1
طلب منها قضاء بضعة أيام في الرباط حيث يقطن حتى ينعما معا بوقت ممتع بعيدا عن عيون المتطفلين والأقارب المكناسيين .. لبت الطلب عاقدة العزم على الحلول ضيفة على عمتها بالعاصمة..1
كادت تخفي الأمر عن أمها ولكنها أحجمت عن ذلك لكيلا يؤنبها ضميرها وأخبرتها بالغرض من سفرها.. عارضت الأم ولكنها لم تستطع مواصلة الرفض طويلا أمام توسلات الإبنة وصفاء نيتها البادي للعيان ورجاحة عقلها فيما مضى من الأيام خاصة وأنه كان بإمكانها إخفاء الأمر برمته..1
ودعت الأم فلذة كبدها في محطة القطار بينما كانت تتنازعها أحاسيس متباينة: السرور لعثور إبنتها أخيرا على شخص تحبه بعد البيات الشتوي الطويل لقلبها والقلق الذي ساورها بسبب الخوف من المجهول ومن إطلاع زوجها على تكتمها على الأمر..1
—————————————————
لم يخلف كازانوفا وعده والتقى الحبيبان يوما بعد يوم..1
كانت تخوض غمار حبها الأول.. ساذجة كقروي في « الموروكو مول ».. ولكنها رفضت ركوب سيارته فأصبح الترام عش حبهما والسمر في المطاعم الرباطية ترفهما والجميع شركاءهما في جريمتهما الغرامية.. حتى الشرطي بحث لهما عن سيارة تاكسي في ليلة شتوية باردة بعد عودتهما في منتصف الليل من مطعم نست فيه الزمان والمكان والتهمته بعيونها بينما كانت تلوك قطع المشوي..1
كان الجميع يظنهما زوجين سعيدين خاصة وأنها كانت تضع خاتما ذهبيا في بنصرها الأيسر لتفادي المشاكل..1
كانت تتحجج بقضاء الوقت مع الصديقات للتملص من تساؤلات العمة العجوز..1
استسلم لوهلة لبراءة عشقها العذري وابتسم برقة اَسرة وهي تحدثه عن الإحمرار الذي سيصيب وجنتيها وهي تحكي لأحفادهما عن مغامراتها مع جدهم الدون جوان ..1
ولكنه كان مصرا على الفتك بفريسته العذراء من دون كل النساء.. أصبح الحصول على مراده هاجسه اليومي.. وبدأ يتحين الفرصة للحصول عليها طيعة سهلة على طبق من ذهب معولا على استغلال مراهقتها العاطفية..1
في اليوم الرابع.. بدأت تشعر بالحزن.. كان تفاهمهما وانسجامهما كاملا.. فما الذي كان ينتظره لطلب يدها ؟ هي لم تخرج معه لتذوق بعض الأطباق والتلذذ بالمثلجات الفاخرة .. كانت صحبته ممتعة فعلا ولكنها لم تكن هدفا بحد ذاتها..1
تذكرت قدحه للنساء اللواتي يجعلن من الرجل غايتهن وابتسمت عندما اتضح لها أنها مثلهن رغم ثقافتها وغزارة علمها.. فما من بهجة تضاهي لذة الضفر بالحبيب والعيش بقربه..1
في اليوم الموالي تكرر السحر.. تنزها في حديقة وانهمكا في قراءة أسماء بعض الأشجار الإستوائية على اللوحات التعريفية.. تحدثا عن المتاحف والماَثر العالمية التي يودان زيارتها.. شربا الشاي.. تأملا الأطفال وهم يلعبون.. أكلا وجبة تايلندية في الغداء .. وزارا قصبة الوداية وصومعة حسان.. جلسا على مقعد رخامي قبالة نهر أبي رقراق.. قبعا متباعدين – احتراما لمسافة « الأمان » التي طالبت بها ضاحكة – وودعا الشمس وهي تغرب..1
أصابها بعض الوجوم والتعب فطلبت منه العودة..1
كانت تبدو فاتنة في عتمة الليل الذي كان يسدل ستاره.. أوصلها إلى باب العمارة.. صعدت الدرج المظلم فناداها لكي يعلمها بأنها نسيت علبة الشوكولا التي اشتراها لها.. ثم لحق بها .. مدت يدها لتأخد الهدية المفخخة وإذا بذراع مفتولة تحيط بكتفها وإذا بمعشوقها يميل ليطبع قبلة كالزلزال على شفتيها المرتجفتين..1
تفككت ذرات جسدها وصارت رجلاها كالقطن.. أوشكت على الإغماء.. توقف الوقت ولم تعد تسمع إلا صوت نبضها الجارف .. تشبتت بغريمها كغريق..1
حب رائق ونشوة كتلك الناجمة عن المخدرات.. سكرة كالموت.. ورعشة سرت في أوصالها كالبرق.. ياالله أي لذة هاته..1
دق إسم الجلالة في رأسها كناقوس كنيسة.. تصدع صرح الشهوة فورا وبدت لها صورة أمها تبكي دما.. فدفعته بكل قوتها..1
كان قد ظن أنه على وشك النيل من مراده وبأنها ستتبعه إلى شقته صاغرة راضية بعدما بصم ملكيته لها على ثغرها الفتي..1
حاول أن يعاود الكرة.. عاجلته بصفعة مدوية .. استشاط غضبا وكاد يشتمها.. سمع صوتها وهي تنتحب.. من يدري فلازال هناك أمل.. تظاهر بالتأثر والأسف.. طلب منها العفو عن اندفاعه اللاإرادي بصوت متهدج.. لم يكمل جملته كما لو غالبه البكاء ورجع على عقبيه.. ندت عنه شهقة وهو يخرج من الباب.. كان ممثلا بارعا..1
استقل سيارة تاكسي وانهمك في التحدث إلى نفسه: « ياأيتها العاهرة الصغيرة.. سأتمكن منك رغم كل شيء.. لست رجلا تصفعه النساء.. سوف تدفعين الثمن.. سوف أقاطعك بضعة أيام وبعدها ستكونين أنت من تطلبين السماح وأنت جاثية على ركبتيك.. هاهاها.. سوف أخضب فراشي بدمك وسوف تتفتح بتلاتك في منزلي الواحدة تلو الأخرى.. من تظنين نفسك ؟ لست إلا فتاة تذهب إلى المرحاض كغيرك .. نساء عفنات.. يتأففن ويحسبن أنفسهن ملائكة ولكنهن عندما يلدن يعوين كالكلاب « ..1
بعد عودته.. أخذ حماما وشاهد فيلما إباحيا نجسا ثم غط في نوم عميق.. كان خنزيرا أنيقا..1
—————————————————
لم يغمض لها جفن تلك الليلة وأصرت على الرجوع إلى مكناس في الغد.. كانت ناقمة على من كان حبيبها ولايزال رغم كل شيء.. ولكن كيف تجرأ ؟ وكيف استسلمت لحضنه ؟ كم كانت خجلة من نفسها.. ألم تلامس المعصية ؟ هل السقوط في شرك الخطيئة بهذه السهولة ؟
نعم ليس بين الفضيلة والرذيلة سوى شعرة رقيقة.. كيف ستتطلع إلى أمها بعد اليوم ؟ كيف ستستطيع مخاطبة أبيها ؟ كيف ستسجد لله ؟ ياللعار..1
عادت إلى المنزل وقلبها محطم بين ضلوعها ينزف دما..أخبرت أمها بأن الشخص الذي التقته لم يعجبها وهي تتظاهر باللامبالاة.. تأسفت الوالدة ولم تطلب المزيد من التفاصيل لكيلا تحزنها..1
مرت الأيام وهي تجتر وجعها الذي ازدادت حدته يوما بعد يوما.. خف إحساسها بخطئه بمرور الوقت والتمست له الأعذار.. هولت من مسؤوليتها و غفرت له اندفاعه..1
اعترفت لنفسها بأنها تنتظر منه اتصالا لم يأت.. كان الترقب يذبحها..1
لم تفلح المنومات في تخدير ألمها وجلب نوم قد يخفف من مصابها.. وغدا الصداع رفيقها..1
أصبحت تغفل الصلاة.. لم يعد يهمها شيء إطلاقا.. كانت تعض المخدة ليلا لكيلا يسمع الأهل بكاءها..1
أما الحبيب فكان يمزح في المقهى مع أصدقائه بين مباريتين ويسخر من ضخامة صدر صديقتها وهو ينتظر نضوج الثمرة في مكناس..1
في يوم أحد بارد.. قرر أخيرا جس نبضها.. اتصل بهاتفها.. رن هذا الأخير طويلا.. لم تجبه طريدته بينما كان الطبيب الشرعي يزيح الغطاء عن وجهها و يتأمل زرقة شفتيها اللتين تجرعتا السم الذي نفثه قاتلها يوما في فمها مستغلا عتمة سلم عمارة قديمة.1